ابن قيم الجوزية
265
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي إنما ينال الرحمة من دعاه خوفا وطمعا ، فهو المحسن والرحمة قريب منه . لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة . لما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وانتصاب قوله « تضرعا ، وخفية ، وخوفا ، وطمعا » قيل : هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين ، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره . وقيل : هو نصب على المفعول له . وهذا قول كثير من النحاة . وقيل : هو نصب على المصدر . وفيه على هذا تقديران . أحدهما : أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر ، والمعنى تضرعوا إليه تضرعا وأخفوا خفية . الثاني : أنه منصوب بالفعل المذكور لأنه في معنى المصدر ، فإن الداعي متضرع في حصول مطلوبه خائف من فواته . فكأنه قال : تضرعوا تضرعا . والصحيح في هذا : أنه منصوب على الحال ، والمعنى إليه ، فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين . ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حد قوله : 2 : 177 وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقولهم : رجل عدل ، ورجل صوم . قال الشاعر فإنما هي إقبال وإدبار وهو أحسن من أن يقال : ادعوه متضرعين خائفين وأبلغ . والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان : الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع . فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة ، وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها . فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة